(1)
يتميز الطب النفسي عن غيره من فروع الطب بموضوعه الفريد: النفس والعقل، بما يحمله ذلك من امتدادات ثقافية وفلسفية وأخلاقية. والفهم العميق لأي تخصّص يمرّ عبر مساءلة مفاهيمه لا مجرد إتقان تقنياته والتسليم بنتائجه. وما زالت الأسئلة الكبرى التي تؤطر هذا الحقل مفتوحة على احتمالات متعددة، مما يستدعي مزيدًا من التواضع الفكري والمناقشة الجادة. يشكّل كتاب «مفاهيم الطب النفسي» محاولة جادة لاستعادة الفلسفة بوصفها حقلًا تأمليًا نقديًا في قلب الممارسة النفسية والطب النفسي المعاصر، ساعيًا إلى تجاوز الثنائيات الحادة التي طالما حكمت هذا الحقل، وعلى رأسها الانقسام بين البيولوجي والنفسي. يمثّل هذا العمل في جوهره دعوة إلى تبني منهج تعددي نقدي يعي حدود كل مقاربة معرفية، ويرفض الانتقائية السطحية والدوغمائية الجامدة على حد سواء. في نقده للوضع الراهن؛ يميز د. قائمي بين أربعة توجهات رئيسية: الدوغمائية؛ وهي الانغلاق على مقاربة واحدة – كالعقيدة البيولوجية أو التحليلية – مع غياب الوعي بحدودها، والانتقائية؛ التي تخلط بين المناهج دون أساس نظري راسخ، والتعددية؛ التي تمثل النموذج الذي يدافع عنه د. قائمي، بوصفه نهجًا يقرّ بأن لكل منهج مجالًا خاصًا يتفوق فيه، دون ادعاء الشمول، والاندماجية: التي تستند على مقاربة مادية غير اختزالية، حيث تقر بوجود حلقة وصل بين الظواهر النفسية والدماغ، وأنهما، في مستوى ما، يندمجان. يرى المؤلف أن البدائل الممكنة اليوم هي: التعددية والاندماجية، غير أنه يميل إلى التعددية، ويرى بصيصًا من الأمل في المقاربة الاندماجية كذلك. ويضرب مثالًا على الخلط المنتشر اليوم، وهو الاستخدام الشائع للنموذج “البيولوجي–النفسي–الاجتماعي”، الذي على الرغم من شموليته النظرية، لا يُمارس إلا بشكل انتقائي أو دوغمائي. فغالبًا ما يُفهم على أنه مزج سطحي بين العوامل، دون فهم لطبيعة تراتبها أو منهجية تطبيقها. ينهج الكاتب -وهو طبيب نفسي وباحث في الفلسفة- في عمله هذا مسلكًا تحليليًا وظاهراتيًا، يدمج بين وضوح اللغة والمنطق وتحرير المفاهيم من جهة، وبين التماس المباشر مع التجربة الإنسانية كما تُعاش وتُحسّ من جهة أخرى. أستندُ في هذه المراجعة إلى ترجمة الدكتور يوسف الصمعان رحمه الله الصادرة عن دار جداول عام ٢٠٢٣م.
عرض الكتاب
يقع الكتاب في 435 صفحة، موزعة على ثلاثة أجزاء رئيسة وأربعة وعشرين فصلًا. يناقش الجزء الأول الأساس النظري للطب النفسي مستحضرًا أبرز الفروع الفلسفية التي تساهم في هذا الأساس النظري كفلسفة العقل، وفلسفة العلم ونظرية داروين وما تسببت به من «هدم لفلسفة الجوهر». ويعرض في الجزء الثاني المسائل العملية المتعلقة بممارسة الطب النفسي حيث يناقش حقيقة الاضطراب النفسي، وتصنيف الاضطرابات النفسية، والمنهج المستعمل في صياغة الدليل التشخيصي الإحصائي للاضطرابات النفسية. كذلك يناقش القيم التي يدعو إليها الطب النفسي، ويضرب في عدد من الفصول أمثلةً تطبيقية على اضطرابات نفسية أساسية كالفصام والاكتئاب وثنائي القطب. أما الجزء الثالث فيعرض آمال ما بعد الانتقائية.
يبدأ الدكتور ناصر قائمي بمقدمة رمزية تلخّص أطروحة الكتاب. يعرض فيها حكاية تخيّلية صاغها تيمور كيتي (١٩٦٠م) عن مجموعة من العلماء يحاولون فهم “كتاب” باستخدام أدوات تخصصاتهم المختلفة، فيُنتج كلٌّ منهم وصفًا جزئيًا وعاجزًا عن إدراك الكلّ. يعلّق المؤلف على هذه القصة قائلًا إن المرض العقلي هو ذلك “الكتاب”، وإن كل حقل معرفي يسهم بجزء من تفسيره، لكن لا سبيل لفهمه بالكامل إلا من خلال تعددية منهجية نقدية وواعية. يشخّص المؤلف مأزق الطب النفسي المعاصر في هيمنة النموذج البيولوجي الاختزالي، الذي يختزل المرض العقلي في البنية الدماغية أو الجينات، يقابله النموذج النفسي التحليلي في صيغته التي ترفض أي تفسير مادي للظواهر النفسية. وفي محاولة للخروج من هذا المأزق يأتي النموذج “البيولوجي-النفسي-الاجتماعي” الذي يدّعي التعددية بينما يمارس انتقائية غير نقدية؛ إذ تُدمج فيه المناهج دون تفكير جاد في حدودها، ما يجعله في رأي المؤلف مظلة تغطي الانحيازات بدلًا من تفكيكها. الحل الذي يقترحه د. قائمي هو التعددية المنهجية، لا بمعنى المزج أو الدمج العشوائي، بل بمعنى الاستخدام المتمايز للمناهج بحسب صلاحيتها لكل حالة، ووفق وعي فلسفي ومعرفي عميق بمحددات كل إطار نظري. مواجهة هذا المأزق من الأهمية بمكان حيث أن هذا الصراع لم يكن غير علمي فقط، بل كان ضارًا بالطب النفسي وبالمرضى كذلك، فقد ذكرت لورا شريبمان في كتابها (التوحد بين العلم والخيال): «إن الاعتقاد بالسبب النفسي للتوحد أعاق البحث عن الأساس البيولوجي له، كما أعاق التوصل إلى أساليب علاجية فعالة. وهكذا أضعنا كثيرًا من الوقت والجهد والمال ونحن نبحث في الاتجاه الخطأ» (١)، فقد كان التحليل النفسي يرجع أسباب التوحد إلى اضطراب نفسي لدى الوالدين، ويرجع أعراضه النفسية إلى صراعات لاشعورية تعود إلى الطفولة المبكرة، مما أدى إلى تحميل الوالدين، وخاصة الأم، مسؤولية تلك الاضطرابات.
(2)
يعود المؤلف إلى تاريخ النموذج ابتداءً من إميل كريبلن الذي نظر إلى الاضطرابات النفسية كأمراض بيولوجية صلبة، إلى أدولف ماير الذي أدخل البعد النفسي والاجتماعي، وصولًا إلى جورج أنجل الذي بلور النموذج الثلاثي بمنهجية أدق. يستعرض د. قائمي عددًا من أوجه القصور في النموذج “البيولوجي-النفسي-الاجتماعي”، فهو لعموميته لا يوفر أي منهج حقيقي للممارس النفسي؛ إنما يمده بغطاء يقرر تحته ما بدا له، فينزع الطبيب النفسي تلقائيًا إلى وصف الدواء ظانًا أن هذا ما يناسب مريضه، وينزع المعالج النفسي تلقائيًا إلى العلاج الكلامي ظانًا أن هذا ما يحتاجه مراجعه، وبهذا تستمر الدوغمائية تحت غطاء التعددية. يضرب المؤلف عددًا من الأمثلة للأمراض ذات الأعراض النفسية التي لا يمكن تطبيق النموذج الثلاثي عليها لأن فهمها يرتكز بشكل تام على مكون واحد هو المكون البيولوجي، كمرض تاي ساكس Tay-Sachs disease إذ هو مرض له مظاهر نفسية متعددة لكنه منقول جينيا تمامًا، لا دور للجانب النفسي والاجتماعي في نشوء هذا المرض. كذلك في العدوى البكتيرية أو الفيروسية العشوائية التي تصيب الدماغ فتنشأ على إثرها مظاهر اضطراب نفسي وسلوكي. ويحذّر د. قائمي من الوقوع في مغالطة السبب والعلاج: ليس كل ما يستجيب للتدخل النفسي–الاجتماعي يمكن أن يُفسر به. منبهًا إلى ضرورة إدراك أن تطبيق هذا النموذج يحتاج وعيًا دقيقًا بحدود كل مقاربة، ووزنها، وترتيبها في كل اضطراب مخصوص. يشبه ذلك إعداد وصفة طعام، إنك لا تستطيع أن تعد طبقًا حقيقيًا بمجرد تعداد مكوناته ومزجها بشكل عشوائي، بل تحتاج إلى وزن وترتيب كل مكون لتخرج بنتيجة ذات معنى وقيمة.
يناقش المؤلف أيضًا البنية الإبستمولوجية للطب النفسي: ما الذي يجعلنا نعتقد أن شخصًا ما “مريض نفسيًا”؟ هل تكفي الأعراض؟ ماذا عن السياق والتاريخ؟ وهل التشخيص نفسه يعكس حقيقة أم بناءً ثقافيًا؟ ما قيمة الحدس؟ وكيف نردم الفجوة المعرفية بين المريض والمعالج؟ يستلهم في طرحه أعمال فلاسفة الطب النفسي، وعلى رأسهم كارل ياسبرز، ويعيد قراءة كتابه المنهجي «الباثولوجيا النفسية» باعتبارها مشروع ياسبرز الأهم والمهمل في الوقت نفسه من قبل المتخصصين في العلوم النفسية، في تأكيده أهمية الوعي بالأسس الإبستمولوجية للطب النفسي يقول: «ما من شخص إلا ولديه نظريات معينة وطرائق تفكير تشكل أساس أعمالنا، ليس هناك كائن كامل ويعمل بأسلوب كامل غير متحيز. إذن، إذا كان لدينا نظريات تؤثر فينا، فتجاهلها يضعنا عند خطر القبول بنظريات أخرى متحيزة، ولذلك انغمس كارل ياسبرز في خطاب مفهومي فلسفي حول إبستمولوجيا الطب النفسي». (٢) ميّز كارل ياسبرز بين «الشرح» كأداة لبيان الأسباب الموضوعية، و«الفهم» كتأمل في المعنى الذاتي للظواهر. الفهم عند ياسبرز أقل وثوقًا من الشرح السببي لكنه ما يزال علمًا، وعند مناقشته مفهوم العلم استخدم اللفظ الألماني Wissenschaft ، والمقصود به: «أيُّ بحث منظم وممنهج» فهي لا تشير إلى العلوم الطبيعية فقط. ورغم أنه عادة ما يقصد بالعلم العلم الطبيعي، إلا أن الباثولوجيا النفسية لها عنصران أساسيان: العلم الطبيعي والإنسانيات، وهذا لا يجعلها أقل علمية لكنها علمية بمعنى آخر. كان كارل ياسبرز ميالًا إلى التحليل النفسي في بداياته إلا أنه «فقد صبره أخيرًا من منهج فرويد لأن الأخير كان يعتقد أنه يكفي أن نفهم لكي نشرح». (٣).
في إطار بلورة التعددية كبديل مفاهيمي، يعرض د. قائمي رؤى “لستن هافنز”، الذي حدد أربع مدارس كبرى في الطب النفسي: الموضوعية الوصفية (المرتبطة بإيميل كريبلن والنهج البيولوجي)، والتحليل النفسي (بقيادة فرويد وتفرعاته)، والوجودية (مثل بنسوانغر ولينغ)، والمدرسة البين-شخصية (مثل ساليفان وفروم وإريكسون). كل مدرسة تنطلق من مفاهيم مختلفة حول ما هو “العقل”، و”الاضطراب”، و”الشفاء”، وتطرح بالتالي مناهج علاجية مختلفة. ويرى المؤلف أن كل هذه المقاربات لها وجاهتها وسياقها الملائم، ولا يمكن استبدال إحداها بالأخرى. كما يعرض الكتاب رؤية بول ماكهاي وفيليب سلافني، اللذين اقترحا النظر إلى المريض من أربع زوايا: المرض، والحال، والسلوك، وقصة الحياة. وهو تصور يهدف إلى كسر الرؤية الأحادية التي تحصر الإنسان في أعراضه، أو اختلالاته العصبية، أو سلوكياته الظاهرة، دون الانتباه إلى أمله، وماضيه، ومستقبله. ينتقل المؤلف بعد ذلك إلى المقاربة الاندماجية المتمثلة في أعمال: إدوارد هاندرت و إريك كاندل، ويشرح استناد هذه المقاربة على أعمال هيغل وظاهرة المرونة العصبية. يرى هاندرت أن بيولوجيا الأعصاب ساندت آراء هيغل المتعلقة بزوال الهوة بين الذاتي والموضوعي حيث اعتبر هيغل أن البشر يؤثر بعضهم على بعض، ويغير بعضهم في بعض، ونتيجة لذلك استطاعوا معرفة بعضهم. يوظف هاندرت ظاهرة المرونة العصبية التي تقر بأن مؤثرات المحيط الخارجية تؤثر في شكل وارتباطات ووظيفة الأعصاب، فيتغير الدماغ. ومن ثم يستعمل الإنسان هذا الدماغ كذلك في تغيير المحيط. فعلى مستوى ما، تزال الهوة بين الذات والخارج، ويتحقق الاندماج. أما كاندل، فقد كان طبيبًا نفسيًا متأثرًا بحركة التحليل النفسي، وكان منصرفًا إلى دراسة الأساس البيولوجي للعقل وللتحليل النفسي خاصة. ركز في أبحاثه على المرونة العصبية والذاكرة، وانتهى إلى أن العلاج النفسي يمكن أن يكون له تأثير المحيط الذي يغير الدماغ. كما وضحتُ سابقًا، يرى الكاتب أن التعددية والاندماجية هي البدائل الممكنة، ولكنه يختار التعددية معلقًا: «لا يزال الاندماجي في حاجة إلى أن يكون تعدديًا في الطب النفسي معترفًا بالحاجة إلى مقاربات نفسية خالصة ومقاربات بيولوجية صرفة، وإلى حدودهما.»
(3)
ينتقل المؤلف بعد ذلك إلى فلسفة العقل، ويطرح السؤال الجوهري: ما العلاقة بين العقل والجسد؟ يعرض المقاربات الفلسفية المختلفة: الثنائية الديكارتية، والمادية الاختزالية وغير الاختزالية بمذاهبها: نظرية الهوية، والوظيفية، ومفهوم الظهور، مشيرًا إلى أن كثيرًا من الأطباء يتبنون مقاربات متطرفة -كمادية إقصائية أو لا مادية كاملة- دون وعيهم بها. ويدعو إلى تبني مقاربتين أكثر توافقًا مع التعددية: الوظيفية والظهور؛ لأنهما تعترفان بالمعقد والمتجاوز للبساطة الفيزيائية.
يولي الكتاب أهمية خاصة للنموذجين التحليلي النفسي والظاهراتي، اللذين لطالما وُضعا على هامش الطب النفسي المعاصر بدعوى ضعف قابليتهما للقياس التجريبي، إلا أن تطورات العلم والفكر الحديث أعادت إحياءهما ضمن إطار غير اختزالي. يناقش الكاتب التحليل النفسي الفرويدي في أحد الفصول مبينًا أنه وإن كان عدد من أفكاره انتُقد وهُجر، إلا أن قسمًا كبيرًا منها لا يزال حاضرًا إلى اليوم. يؤيد أطروحة الكاتب فيما يخص التحليل النفسي أنه على الرغم من أن هذا المجال قد قوبل تاريخيًا برفض من فلاسفة العلم التجريبيين — مثل كارل بوبر الذي اعتبره غير قابل للتكذيب وبالتالي غير علمي (٤) — إلا أن العقود الأخيرة شهدت تحولًا نوعيًا في العلاقة بين مفاهيمه وبين علم الأعصاب. فقد برز مجال «التحليل النفسي العصبي» (Neuropsychoanalysis) بوصفه محاولة لردم الفجوة بين اللاشعور الفرويدي والدماغ البيولوجي، من خلال ربط مفاهيم مثل الدوافع، والكبت، واللاشعور، ببُنى عصبية محددة في الدماغ، كما في أعمال مارك سولمز. وقد وجدت مفاهيم فرويدية مركزية، مثل “الهو” و”آليات الدفاع”، ما يقابلها من شبكات عصبية ودارات تنظيمية مسؤولة عن الدوافع والضبط الانفعالي، مما يمنح التحليل النفسي اتساقًا داخليًا خصبًا، وتحققًا خارجيًا متزايدًا. (٥)
أما المنهج الظاهراتي، فيقدّمه د. قائمي باعتباره وسيلة لا لفهم السلوك الظاهر فحسب، بل لاستكشاف التجربة المعاشة للمريض، كما تظهر في وعيه وإدراكه للعالم والذات. ويستمد هذا التوجه جذوره من الفلسفة القارية، ولا سيما أعمال هوسرل وياسبرز. تسعى هذه المدرسة إلى تجاوز الطب النفسي المادي نحو قراءة الأعراض النفسية بوصفها تعبيرًا عن أزمات وجودية أو تحولات في نمط التلاقي مع العالم. فالذهان، مثلًا، لا يُفهم فقط كخلل في كيمياء الدماغ، بل كتغيّر جذري في شكل علاقة الفرد بالواقع والمعنى. يعقد الكاتب فصلًا في العلاج النفسي الوجودي، مستعرضًا مقاربة الطبيب النفسي لودفيغ بنسوانجر وتوظيفه فلسفة هايدغر في فهم الاضطراب العقلي حيث ذهب إلى اعتبارها السبيل إلى تجاوز ثنائية العقل والجسد، وبيَّن أن منشأ المرض العقلي اختلافٌ في البنى الوجودية أو «طرق أن تكون موجودًا في العالم»، واعتبرها هي مسببات الأمراض العقلية، ثم تتبعها الأعراض والعلامات والتغيرات البيولوجية والجوانب النفسية-الاجتماعية.
يرى د. قائمي أن التحليل النفسي والظاهراتية لا يتعارضان مع العلم، بل يقدّمان له بعدًا مكمّلًا. فهما يُعزّزان فهم المعاناة النفسية لا كاختلال عضوي فحسب، بل كتجربة داخلية لها معنى وتاريخ وسياق. وهذا الانفتاح على تعدد المناهج لا يُضعف الممارسة، بل يُثريها، ويعيد للطب النفسي عمقه الإنساني والمعرفي، يضيف قائلًا فيما يخص التحليل النفسي: «ما الذي تبقى في الذاكرة من المذهب الفرويدي؟ التحويل، والتحويل المقابل، وآليات الدفاع، ومفهوم الحالات العقلية اللاواعية، والطبيعة اللامنطقية للسلوك البشري في جزء كبير منه، وأهمية الرغبة الجنسية في حياة الإنسان، وجدوى الإصغاء دون الحكم على الأشياء، وأهمية الصدمات النفسية في مرحلة الطفولة في بعض الاضطرابات النفسية.» إلى قوله: «إن الطب النفسي اليوم ينتهي أخيرًا إلى تقييم انتقادي لأفكار فرويد، فلم تعد كلمته مكتوبة بحروف من ذهب؛ لكن أفكاره ببساطة لم تكن خاطئة.» (٦)
ومن ثم يستعرض د. قائمي المقاربات الإغريقية والشرقية في فهمها للنفس والعوارض النفسية. يعرض الفلسفة الإغريقية باعتبارها في جزء كبير منها تركز على الأخلاق، ولها دور عملي مهم في حياة الناس، دورٌ أشبه بالطب كما يعبر المؤلف. ويوضح أن فلاسفة الإغريق ناقشوا تأثر المشاعر بالعقل وبالأحكام المعرفية الصحيحة والخاطئة. يركز النظر في هذا الفصل على المدرستين الرواقية والأبيقورية على وجه التحديد، مفصلًا القول في المدرسة الأبيقورية لتعدد أوجه ارتباطها بالطب النفسي. أما فيما يخص المقاربات الشرقية: يختار المؤلف الصوفية والمذهب التنويري الشيعي كمظهرين من مظاهر الفلسفة الإسلامية بسبب اتصاله الشخصي بهما اتصالًا مباشرًا من خلال الخلفية الثقافية والعائلة. يحد من شمول هذا الكتاب إغفاله نتاجًا نفسيًا ضخمًا في التراث الإسلامي يستدعي بحثًا وتحريرًا وإبرازًا في هذا المجال، ما يفتح الباب أمام النفسانيين المسلمين للعودة إلى تحرير ذلك التراث وتقديمه للمجتمع النفسي المعاصر تقديمًا منهجيًا يزن بدقة دور هذا التراث في الطب النفسي، وقوته، وحدوده كذلك. يرى د. قائمي أن المقاربات الإسلامية مكملة للتعددية التي ينشدها، حيث يقول: «إن من الممكن أن تكون وجهات النظر الإسلامية ذات نزعة تعددية وعقلية ووجودية بطرق غير مخالفة للعديد من زوايا النظر الغربية. في حقيقة الأمر، يمكن أن تعتبر بعض زوايا النظر الإسلامية مكملة للعديد من الآراء الغربية وليست في صراع معها على الإطلاق.» (٧)
(4)
يناقش المؤلف في فصل مهم طبيعة المرض النفسي، أهو حقيقة أم خرافة؟ ويعرض الآراء المختلفة في مفهوم المرض عمومًا، والمرض النفسي خاصة. وهو إذ يستعرض أبرز الأطروحات في فهم ماهية المرض وماهية الصحة يخلص إلى أن مفهوم المرض العقلي مثبت، والمنظور البيولوجي في شأنه مقبول، غير أنه لا يفترض أن المرض العقلي مجرد ظاهرة بيولوجية طبية، بل هناك عناصر قيمية واضحة في مفاهيم المرض العقلي، ولكن هذه العناصر القيمية لا تخص المرض العقلي وحده بل تمتد إلى المرض الجسدي كذلك. ويقر بأهمية الأدوات التي تساعد في الحد من التعامل الآلي عند تطبيق التشخيصات النفسية بطريقة تشوه الروح الإنسانية وتجردها عن قيمتها.
بعد أن يقرر د. قائمي حقيقة المرض العقلي، يظهر هنا سؤال التصنيف: كيف نصنف الأمراض النفسية؟ يُعد التصنيف النفسي للأمراض العقلية، كما يظهر في الأدلة التشخيصية كـ DSM وICD، مجهودًا نظريًا وتنظيميًا معقّدًا يهدف إلى ضبط ظواهر نفسية متداخلة ومتغيرة ضمن فئات قابلة للملاحظة والتدخل العلاجي. يمكن النظر إلى مفهوم التصنيف في العلوم من زاويتين: زاوية «النوع الطبيعي» وزاوية «النوع المثالي». يُقصد بمفهوم النوع الطبيعي: تصنيف يستخدم في العلوم الطبيعية للدلالة على كيان واقعي موجود في الطبيعة وله خصائص ثابتة ومميزة عن غيره من الأنواع، ويعكس بنية جوهرية موضوعية، يمكن التحقق منها علميًا مثل: الماء والذهب. (٨) يرفض د. قائمي أن تكون الاضطرابات النفسية المصنفة أنواعًا طبيعية لها جوهر ثابت، ويرى أن البحث عن النوع الطبيعي في الاضطرابات النفسية هو تمسك بفلسفة ميتة، ويعتقد أن الاضطرابات النفسية المصنفة هي أنواع مثالية بالمعنى الذي قرره ماكس فيبر وطبقه على العلوم الاجتماعية، والنوع المثالي: نموذج تحليلي يبنيه الباحث ذهنيًا لتبسيط واقع إنساني معقد بغرض فهمه وتحليله ومقارنته دون افتراض أن له وجود كامل في الواقع. تعد الفئات التشخيصية مثالًا للأنواع المثالية إذ تُبنى الفئات التشخيصية كنماذج عقلية تركيبية تجمع بين أعراض متكررة في الخبرة الإكلينيكية، لكنها لا تدّعي التطابق التام مع الواقع النفسي الفردي أو البيولوجي. فهي أدوات منهجية لفهم السلوك المضطرب، تُستخدم لتوجيه القرار العلاجي، دون أن تكون انعكاسًا لكيانات حقيقية مستقلة. وبالتالي لا يمكن نقد الدليل التشخيصي الإحصائي بقول: “إنه لا يطابق الحقيقة” فليس هدف الدليل التشخيصي أن يطابق الحقيقة الإكلينيكية، بل أن يبسطها ويبرز الجوانب المميزة لها. وبالتالي فهو يتغير بحسب ازدياد وتوافر الملاحظات الإكلينيكية.
هنا تبرز أهمية مساءلة “صدق” الفئة التشخيصية، والذي لا يُقاس فقط بمدى تطابقها مع كيان بيولوجي مفترض، بل أيضًا بقدرتها على تفسير الظاهرة السريرية والتنبؤ بمآلها وتوجيه العلاج. فالدليل التشخيصي يتعامل مع الاضطرابات النفسية باعتبارها “أنواعًا مثالية” لا “أنواعًا طبيعية”. ورفض كونها أنواعًا طبيعية لا يعني أن الفئة التشخيصية غير صادقة، إذ يعتقد الكاتب أن صدق التشخيص الطبي في غياب باثولوجيا الأنسجة له أربعة محددات: الأعراض، ومسار المرض، وعلم الجينات، والاستجابة العلاجية، وهي محددات مقبولة ومتوافقة مع الإرث الطبي والعلمي. وكلما تحركت هذه المحددات في نفس الاتجاه بأن توجد مجموعة من المرضى متقاربة الأعراض، والمسار، والجينات والاستجابة العلاجية، كلما تأكد صدق الفئة التشخيصية. (٩)
(5)
وفي محورٍ بالغ الأهمية، يناقش الكتاب العلاقة بين الطب النفسي وفلسفة الأخلاق. في حين أن الطب يُعلي من قيمة الحياة وتخفيف المعاناة، فإن الطب النفسي يتعامل مع أحكام قيمية ذات طبيعة مختلفة كالحكم بأن المريض يعيش في وهم. رغم ذلك، يرى د. قائمي أن كافة فروع الطب تحتوي على أحكام قيمية كذلك؛ فتلفُ عضو في الجسد هو من منظور المريض “فشل القيام بالفعل”. وحصر الأحكام القيمية بالطب النفسي دونًا عن غيره افتراضٌ بإمكان التمييز بين الحقيقة والقيمة رغم أن العديد من الفلاسفة المعاصرين زعموا أن هذا التمييز لا حقيقة له، فكل الحقائق لها مكون تقييمي، رغم ضآلته. ويقرر د. قائمي أن كل ممارسة نفسية تنطوي على تصور معين للخير، ويحلل هذه القيم من خلال ثلاث نظريات أخلاقية: النفعية لجون ستيورات ميل، وفلسفة الواجب لكانط، ونظرية الفضيلة لأرسطو. وهو يؤكد على ضرورة الانتباه لما يحمله كل تصور علاجي من افتراضات أخلاقية ضمنية. ويخلص إلى أن كثيرًا من المعاناة النفسية تنشأ من غموض المنظومات القيمية لدى الأفراد. ولذلك، فإن مهمة المعالج ليست فقط تقويم الأعراض، بل مساعدة المريض على اكتشاف منظومته القيمية وتنظيم حياته وفقًا لها.
ينهي د. قائمي كتابه بطرح سؤال صميمي: هل نحن تعدديون حقًا؟ وهل نقبل بغياب نظرية جامعة دون أن نقع في الانتقائية أو النسبية؟ هل نُدرك حدود معرفتنا، ونختار مناهجنا بحسب الموقف لا بحسب الهوى؟ وهل يمكن أن نعمل بيقظة فكرية دون يقين مطلق. في النهاية، لا يقدّم الكتاب وصفة علاجية أو نموذجًا شاملًا بديلًا، بل يقدم ما يمكن تسميته بـ”الوعي المنهجي”: دعوة إلى التفكير النقدي فيما نقوله ونفعله كأطباء نفسيين، وإلى إدراك أن كل ممارسة مهنية تقوم ضمن إطار فلسفي معيّن، سواء وعينا به أم لا. ويرى المؤلف أن تجاهل هذه الخلفيات الفلسفية يعرض الممارسة النفسية لخطر إعادة إنتاج أنماط دوغمائية أو غير علمية في جوهرها. ويقر المؤلف أن ما تطلبه التعددية من الأطباء والمعالجين النفسيين أمر مرهق للغاية، حيث يقول: «إنها تطلب الكثير وتعطي القليل؛ ولكن ما تعطيه يقاس بمعيار الذهب مقارنة بزيف الانتقائية البيو-سيكو-اجتماعية.» (١٠)
Painting: Melancholy by Edvard Munch
المراجع
(1) لورا شريبمان، التوحد بين العلم والخيال، سلسلة عالم المعرفة، ترجمة فاطمة عياد، الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، ٢٠١٠، ص ١٧
(2) ناصر قائمي، مفاهيم الطب النفسي: مقاربة متعددة الأوجه للعقل والمرض العقلي، ترجمة يوسف الصمعان، بيروت: دار جداول، ٢٠٢٢، ص ٨٢
(3) توم بيرنز، الطب النفسي، سلسلة مقدمات موجزة، ترجمة حسين العبري، أبوظبي: دائرة الثقافة والسياحة، كلمة، ٢٠٢١، ص ٨٥
(4) Popper, Karl. Conjectures and refutations: The growth of scientific knowledge. routledge, 2014. P34-35
(5) Solms, Mark, and Oliver H. Turnbull. “What is neuropsychoanalysis?.” Neuropsychoanalysis 13.2 (2011): 133-145.
(6) ناصر قائمي، مفاهيم الطب النفسي: مقاربة متعددة الأوجه للعقل والمرض العقلي، ترجمة يوسف الصمعان، بيروت: دار جداول، ٢٠٢٢، ص ٣٧٦
(7) نفسه، ص ١٨٥
(8) سمير عكاشة، فلسفة العلم: مقدمة قصيرة جدًا، ترجمة إبراهيم العامر، وهران: دار ابن النديم للنشر والتوزيع، بيروت: دار الروافد الثقافية-ناشرون، ٢٠٢٢، ص ١٥٦-١٥٧
(9) ناصر قائمي، مفاهيم الطب النفسي: مقاربة متعددة الأوجه للعقل والمرض العقلي، ترجمة يوسف الصمعان، بيروت: دار جداول، ٢٠٢٢، ص ٢٤١
(10) نفسه، ص ٤٢٧

مقالة بديعة تشي بقدرة علمية ولغوية عالية للكاتبة الماجدة د.حنين